الاستقلال/ أنس أبو عقلين:
لم يكد النازحون في خيام جنوب قطاع غزة يلتقطون أنفاسهم من هجمات البراغيث والفئران التي استنزفت طاقاتهم وأنهكت أجسادهم، حتى ظهر لهم عدو بيئي جديد يتربص بأجسادهم المنهكة. ففي منطقة «مواصي خانيونس» التي تؤوي عشرات آلاف الأسر المشردة بسبب حرب الإبادة والتطهير العرقي، برزت ظاهرة صحية مقلقة تتمثل في انتشار حشرة يُطلق عليها الغزيون اسم «أبو مقص»، والتي تقتحم خيام النازحين مع حلول عتمة الليل وتتسلل بين فراشهم وملابسهم، لتنغص عليهم حياتهم وتزيد من تعقيد مشهدهم الإنساني الكارثي، مسببة مضاعفات جلدية خطيرة في ظل شح حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
عيادات عاجزة
داخل عيادة «جورة اللوت» في مواصي خانيونس، يبدو المشهد مرهقاً للطواقم الطبية التي تقف شبه عاجزة أمام تزايد أعداد المصابين بقرصات حشرة «أبو مقص».
مراسل «الاستقلال» التقى بالدكتور أحمد عاشور، مدير العيادة، حيث تحدث عن طبيعة الإصابات المتزايدة بسبب قرصات «أبو مقص»، مشيراً إلى أن هذه الحشرة تترك آثاراً مدمرة على أجساد الضحايا.
يقول د. عاشور: «الأعراض تختلف من شخص لآخر، لكنها تتلخص غالباً في احمرار شديد مكان القرصة، يتبعه التهاب وحكة هستيرية.»
ويوضح أن الحشرة تتسبب في حكة شديدة تدفع المريض للهرش العنيف، مما يؤدي إلى حدوث تقرحات وجروح سرعان ما تلتهب وتتفاقم، محذرا من سرعة وتيرة الإصابات الميدانية بسبب الانتشار الواسع للحشرة بين خيام النازحين.
وتابع د. عاشور بالقول: «تمر علينا حالات كثيرة يومياً، إذ نستقبل ما لا يقل عن ٢٥ إلى ٣٠ حالة بالمتوسط تعاني من نفس الأعراض الناتجة عن لدغات هذه الحشرة».
وما يزيد من خطورة الموقف هو الانهيار الشامل للمنظومة الصحية والنقص الحاد في الإمدادات، ليؤكد د. عاشور أن العلاج ليس متوفراً دائماً، وأغلب الأدوية الفعالة غير موجودة في مستودعات العيادة.
ولفت إلى أن الطواقم الطبية تضطر لاستخدام مسكنات وحبوب بدائية لا تغني ولا تسمن من جوع أمام هذه الالتهابات، مشدداً على وجود «نقص شديد في المراهم الجلدية المتخصصة، والأدوية، والمضادات الحيوية» اللازمة للسيطرة على تداعيات هذه اللدغات السامة التي تسببها الحشرات المختلفة.
شهادات من قلب الخيام
بين أروقة الخيام القماشية المكتظة، تتعدد قصص المعاناة والألم التي ظهر على مسرحها ذلك الضيف الثقيل المسمى «أبو مقص».
إبراهيم أبو عون، أحد النازحين في مواصي خانيونس، يروي تفاصيل تجربته مع هذه الحشرة، ليقول: «تعرضت للقرص في منطقة الرقبة خلال ساعات الليل، ولم أعر الأمر اهتماما في البداية ظناً مني أنها لدغة بعوض اعتيادية.»
لكن صباح إبراهيم لم يكن عادياً، إذ يضيف واصفاً تطور حالته: «عند استيقاظي في الصباح، لاحظت ما يشبه التشنج العضلي في مكان القرصة، مصحوباً باحمرار وحكة شديدة لا تحتمل، وسرعان ما تحول الأمر إلى تورم ملحوظ والتهاب جلدي مقلق».
وبعد توجهه إلى العيادة الطبية للفحص، تبين أن هذه الأعراض الشديدة ناتجة عن لدغة تلك الحشرة التي باتت تعرف بـ «أبو مقص».
وفي خيمة أخرى، لا يختلف حال النازح نائل سالم كثيراً، بل ربما يكون أشد قسوة، حيث تعرض نائل للدغة في منطقة القدم، مما تسبب له بمضاعفات صحية خطيرة شملت تورماً شديداً، وارتفاعاً حاداً في درجة الحرارة (سخونة حادة)، بالإضافة إلى تشنج مؤلم في القدم المصابة منعه من الحركة بشكل طبيعي.
وفي حديثه لصحيفة «الاستقلال»، يصف نائل معاناته الممتدة بمرارة: «منذ حوالي أسبوعين وأنا على هذه الحال الصعبة، الألم لا يفارقني، والأدوية التي نستخدمها ما تأتي بأي نتيجة، العيادات هنا تفتقر لأبسط المقومات، ولا يوجد فيها أدوية مناسبة للتعامل مع هذه الحالات المستعصية.»
بيئة خصبة للأوبئة
وتعتبر منطقة المواصي ذات طبيعة زراعية ورملية مفتوحة، مما يجعلها بيئة خصبة لتكاثر الحشرات الغريبة، خاصة مع تكدس مئات الآلاف من النازحين في خيام لا تقي من تقلبات الطبيعة، وسط انعدام شبه تام لشبكات الصرف الصحي وتراكم مستمر للنفايات نتيجة حرب الإبادة التي تشنها دولة الاحتلال منذ ثلاث سنوات.
وفي ظل غياب الحلول الجذرية، واستمرار النقص الحاد في الإمدادات الطبية والمضادات الحيوية، يبقى النازحون في مواصي خانيونس فريسة لظروف بيئية قاهرة، ينتظرون تدخلاً عاجلاً من المؤسسات الصحية والدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول هذه اللدغات إلى بؤرة وبائية تفتك بما تبقى من أجسادهم.


التعليقات : 0